حوارات وتقارير

سلسلة حلقات سقوط الفاشر الحلقة الخامسة : الليلة الأخيرة قبل السقوط / كيف تُركت الفاشر تسقط والعالم يتفاوض ؟

إعداد / أميرة أحمد عمر

سلسلة حلقات سقوط الفاشر

الحلقة الخامسة : الليلة الأخيرة قبل السقوط / كيف تُركت الفاشر تسقط والعالم يتفاوض ؟

إعداد / أميرة أحمد عمر – 25 أكتوبر 2026
نواصل من حيث انتهت الحلقة الرابعة وهى نقطة حاسمة : خروج المستشفى السعودي من الخدمة بوصفه آخر مرفق صحي فاعل ، وانهيار معسكري زمزم وأبو شوك بوصفهما آخر مأوى للمدنيين ، لم يعد في الفاشر علاج، ولم يعد فيها مأوى ، تبدأ هذه الحلقة من تلك النقطة تحديداً وتتتبع المسار السياسي الموازي لذلك الانهيار من منتصف عام 2024 حتى يوم 25 أكتوبر 2025 أي الليلة الأخيرة قبل سقوط المدينة في 26 أكتوبر 2025 السؤال المركزي في هذه الحلقة : ليس( لماذا لم يتفاوض العالم؟ بل لماذا تفاوض العالم كثيراً ولم تنتج مفاوضاته حماية واحدة للمدينة؟ )

أولاً/ إعلان جدة – اتفاق بلا آلية تنفيذ
في 11 مايو 2023 وقع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إعلان جدة والتزما فيه بحماية المدنيين وفي 20 مايو 2023 وقعا اتفاقاً على وقف إطلاق نار قصير وترتيبات إنسانية وعلى المستوى الشكلي ، كان هذا تقدماً دبلوماسياً على المستوى العملي ، لم يصمد وقف إطلاق النار ، في يونيو 2023 علق الجيش مشاركته في المفاوضات متهماً الدعم السريع بانتهاك الاتفاق ، ومنذ ذلك التاريخ ، أصبح إعلان جدة مرجعاً قانونياً يُستشهد به في البيانات ، دون أن يتحول إلى آلية تنفيذ على الأرض ، الخلل البنيوي هنا كان واضحاً : الاتفاق لم يتضمن آلية مراقبة مستقلة ولا جدولاً زمنياً ملزماً ولا عقوبات على الطرف الذي يخرقه. كان التوقيع هو الغاية وليس بداية التنفيذ .

ثانياً/ إيقاد والمنامة وجنيف – مفاوضات دون لقاء مباشر
بعد جدة، توالت مبادرات لم تكتمل ، وفي ديسمبر 2023 أعلنت منظمة إيقاد أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو اتفقا على لقاء مباشر وجددت إيقاد الدعوة في يناير 2024 ولم ينعقد اللقاء ، وفي 20 يناير 2024، تم في المنامة التوقيع بالأحرف الأولى على وثيقة بعنوان ( المبادئ والأسس للحل الشامل للأزمة السودانية) باسم شمس الدين كباشي عن الجيش ، وعبد الرحيم دقلو عن الدعم السريع ولم يتحول التوقيع بالأحرف الأولى إلى اتفاق نهائي، ولم تتبعه عملية تفاوض مستمرة ، وفي أغسطس 2024 غاب الجيش عن مفاوضات جنيف المباشرة ، فتحولت أجندة الاجتماع من وقف إطلاق النار إلى تسهيل إيصال المساعدات وحماية المدنيين ، النتيجة السياسية لهذه المحطات الثلاث هي أن مسار التفاوض تحول من مفاوضات مباشرة بين الطرفين إلى مفاوضات بالواسطة ثم إلى اجتماعات لا يحضرها أحد الطرفين وهذا التحول في حد ذاته كان مؤشراً على أن التفاوض أصبح أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه .

ثالثاً/ مجلس الأمن – القرار 2736 بلا أدوات تنفيذ
في 13 يونيو 2024، اعتمد مجلس الأمن القرار 2736، بتصويت 14 عضواً مع القرار، وامتناع روسيا. وطالب القرار قوات الدعم السريع بوقف حصار الفاشر ، ووقف القتال فوراً، والسماح للمدنيين بمغادرة المدينة ، كان هذا أقوى نص دولي صدر بشأن الفاشر ، غير أن القرار لم يقترن بأي أداة تنفيذ : لم تُشكل قوة لحماية المدنيين ولم تُفرض عقوبات جديدة على من يواصل الحصار ولم يُفرض ممر آمن بالقوة ، وظل الحصار مستمراً لأكثر من 16 شهراً بعد صدور القرار وظلت المستشفيات تتعرض للقصف ، وظلت المساعدات محجوزة خارج المدينة الدلالة السياسية هنا تتجاوز الفاشر ، عندما يصدر مجلس الأمن قراراً دون أن يمتلك إرادة تنفيذه ، فإنه لا يحمي الضحايا فحسب بل يمنح الأطراف المتحاربة إشارة ضمنية بأن كلفة خرق القرار منعدمة .

رابعاً /مبادرة الأمين العام – أسبوع لم يتحقق :
في 27 يونيو 2025، أجرى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اتصالاً هاتفياً مع البرهان وطلب هدنة إنسانية لمدة أسبوع في الفاشر ، للسماح بإيصال المساعدات ، أعلن مجلس السيادة موافقة البرهان من حيث المبدأ مع التشديد على تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. في المقابل، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر في الدعم السريع قوله إن الدعم السريع لم يتلقَ أي مقترح للهدنة ، لم يتحقق الأسبوع. ولم يُتفق على موعد بدئه ولا على آلية مراقبته ولا على الجهة التي تضمنه وهنا يظهر الخلل الثاني في مسار التفاوض ، كل طرف كان يشترط على الآخر الخطوة الأولى الجيش اشترط انسحاب الدعم السريع من المدن والدعم السريع اشترط الاعتراف به طرفاً سياسياً ومساراً سياسياً موازياً للمسار العسكري وبين الشرطين ، بقي المدنيون دون هدنة.

خامساً/ الرباعية وواشنطن – خارطة طريق وصلت متأخرة :
في 12سبتمبر 2025 أصدرت الرباعية الدولية الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات بياناً مشتركاً تضمن خارطة طريق من ثلاث مراحل( هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر ،ثم وقف إطلاق نار دائم ، ثم عملية انتقالية لمدة تسعة أشهر نحو حكومة مدنية مستقلة) وكانت هذه المبادرة هي الأكثر اكتمالاً من الناحية الشكلية، لأنها ربطت بين الهدنة الإنسانية والوقف الدائم والمسار السياسي. غير أنها صدرت والمدينة محاصرة بالكامل وبعد أن أصبحت المنظومة الصحية والمخيمات خارج الخدمة ، كما وثقت الحلقة الرابعة ، وفي 24 أكتوبر 2025، أي قبل يومين من سقوط المدينة ، جمعت واشنطن وفدي الجيش والدعم السريع مع ممثلي الرباعية ، ولم يلتقِ الوفدان مباشرة ، بل التقيا بالوسطاء بشكل منفصل ولم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن المساعدات أو بشأن المفاوضات المقبلة ، وفي 4 نوفمبر 2025 أي بعد السقوط قال المبعوث الأمريكي مسعد بولس إن الطرفين اتفقا من حيث المبدأ على خطة أولية دون اعتراض أولي من أي طرف ، وأن التركيز انصب على التفاصيل ، وهذا التوقيت في حد ذاته يلخص مأساة المسار السياسي: الاتفاق المبدئي جاء بعد أن سقطت المدينة التي كان يفترض أن يحميها .

سادساً/ 25 أكتوبر 2025 – الليلة الأخيرة
في 25 أكتوبر 2025، كانت الفاشر قد دخلت يومها الأخير قبل السقوط ، لم تكن المدينة في ذلك اليوم تنتظر هدنة، بل كانت تنتظر نتيجة معركة ، فقد استنفد المسار الدبلوماسي كل أوراقه: قرار مجلس الأمن دون تنفيذ، ومبادرة الأمين العام دون موعد، وخارطة الرباعية دون اتفاق واجتماع واشنطن دون لقاء مباشر ، وفي 26 أكتوبر 2025 سقطت الفاشر وسيطر الدعم السريع على مقر الفرقة السادسة آخر موقع للجيش في دارفور .

الخلاصة :
خمسة أسباب بنيوية لفشل الهدن
أولاً/ غياب آلية التنفيذ :
جميع الاتفاقات افتقرت إلى المراقبة المستقلة، والعقوبات والقوة الميدانية التي تضمن التنفيذ .
ثانياً/ انقسام الوسطاء :
الرباعية نفسها كانت منقسمة في مقارباتها. الإمارات متهمة من قبل الجيش بدعم الدعم السريع، ومصر أقرب إلى الجيش، بينما حاولت الولايات المتحدة والسعودية إدارة التوازن بين الطرفين. ووسطاء منقسمون لا يستطيعون فرض تسوية على أطراف منقسمة.
ثالثاً / رهان الطرفين على الحسم العسكري :
اعتبر الجيش أن التفاوض يجب أن يبدأ من انسحاب الدعم السريع من المدن واعتبر الدعم السريع أن التفاوض يجب أن يبدأ من الاعتراف السياسي به. وتحول التفاوض لدى الطرفين إلى أداة لكسب الوقت ، لا إلى بديل عن الحرب .
رابعاً /غياب اتفاق خاص بالفاشر :
جميع المبادرات تناولت السودان بوصفه ملفاً عاماً، ولم تتضمن اتفاقاً خاصاً بالفاشر، ولا ممراً آمناً خاصاً بها، ولا حماية خاصة لمستشفياتها ومخيماتها.
خامساً/ غياب المدنيين عن الطاولة :
لم يشارك في جدة أو المنامة أو جنيف أو واشنطن أي ممثل للمدنيين في الفاشر: لا طبيب من المستشفى السعودي، ولا ممثل عن نازحي زمزم وأبو شوك، ولا ممثل عن غرف الطوارئ كان الذين يقررون مصير المدينة هم الذين لم يعيشوا فيها تحت الحصار ، إن فشل الهدن لم يكن نتيجة خطأ تقني في صياغة بند واحد ، بل كان نتيجة بنيوية/ مفاوضات بلا مدنيين، وبلا ضمانات وبلا إرادة تنفيذ ، لا تستطيع حماية مدينة محاصرة .

انتظروا الحلقة السادسة والأخيرة ،،

المصادر :
– إعلان جدة لحماية المدنيين 11 مايو 2023 واتفاق وقف إطلاق النار 20 مايو 2023
– وثيقة المنامة التوقيع بالأحرف الأولى 20 يناير 2024
– بيانات منظمة إيقاد ديسمبر 2023 – يناير 2024
– قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2736، 13 يونيو 2024 نص القرار S/RES/2736
– وكالة أسوشيتد برس ، هدنة غوتيريش للفاشر 27 يونيو 2025
– بيان الرباعية الدولية12 سبتمبر 2025
– مفاوضات واشنطن 24 أكتوبر 2025
– تصريحات المبعوث الأمريكي مسعد بولس 4 نوفمبر 2025
– تقرير منظمة العفو الدولية حول الفاشر أكتوبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى