سلسلة/ الفاشر – 500 يوم حتى السقوط (2 من 6) الحلقة الثانية/ الحصار الكبير كيف تم تجويع مدينة كاملة بتواطؤ إقليمي وصمت دولية وما سر الصمود ؟
إعداد / أميرة أحمد عمر

سلسلة/ الفاشر – 500 يوم حتى السقوط (2 من 6)
الحلقة الثانية/ الحصار الكبير
كيف تم تجويع مدينة كاملة بتواطؤ إقليمي وصمت دولية وما سر الصمود ؟
إعداد / أميرة أحمد عمر
22 أكتوبر 2026
مقدمة: لم يكن حصاراً كان قراراً
في كل الحروب يُحاصر الناس بالسلاح. في الفاشر حوصر الناس بالصمت .
لم يكن تجويع الفاشر نتيجة نقص في الغذاء في السودان ولا نتيجة عجز لوجستي كان سياسة ممنهجة.
قراراً اتُخذ في غرف مغلقة ونُفذ على الأرض بثلاث أدوات إغلاق الطرق ، تجفيف الأسواق ، وخنق المساعدات ، والأخطر من ذلك: هذا الحصار لم يكن لينجح لولا عاملان (تواطؤ إقليمي) وفّر الغطاء و صمت دولي وفّر الوقت .
أولاً / جغرافيا الجوع / كيف أُغلقت شرايين الحياة ؟
الفاشر مدينة تعيش على ثلاثة شرايين طريق مليط – ليبيا شمالاً ، طريق الكومة – الخرطوم شرقاً ، وطريق نيالا – الجنوب جنوباً .
في أبريل 2024 سقطت مليط ، لم يكن سقوطها مجرد خسارة عسكرية ، بل كان قطعاً للشريان الشمالي الذي كانت تأتي منه البضائع والوقود والأدوية من ليبيا .
بعدها بأسابيع سقطت الكومة ، وقُطع الطريق الشرقي ثم تم إحكام السيطرة على طريق نيالا .
في أغسطس 2024 كانت الفاشر معزولة تماماً .
النتيجة كانت فورية في السوق ، سعر جوال الدخن قفز من 60 ألف جنيه إلى أكثر من 400 ألف في ثلاثة أشهر ، كيلو السكر أصبح رفاهية / الدواء وخاصة الأنسولين وأدوية الضغط ، اختفى تماماً .
قالت لي الحاجة مريم 68 عاماً ، في سوق الفاشر الكبير وهي تبيع آخر قطعة ذهب عندها (ما كنا بنموت بالرصاص، كنا بنموت ونحن بنحسب هل نأكل اليوم ولا نشتري دواء لولدي؟ الحصار ما كان بيقتلنا مرة واحدة، كان بيقتلنا كل يوم حتة حتة) .
وهنا تكمن عبقرية الخنق الهادئ التي تحدثنا عنها في الحلقة الأولى ، لا تقصف المدينة لتسقط، بل جوعها لتستسلم فالجائع لا يقاتل ، الجائع يفاوض على حياته .
ثانياً / التواطؤ الإقليمي من استفاد من سقوط الفاشر ؟
لا يمكن فهم حصار الفاشر دون فهم خريطة المصالح الإقليمية حول دارفور ، فدارفور ليست معزولة ، هي عقدة حدودية تربط أربع دول( ليبيا ، تشاد ، أفريقيا الوسطى ، وجنوب السودان) من يسيطر على الفاشر يسيطر على بوابة هذه العقدة
لذلك تحول الحصار إلى (استثمار إقليمي) أطراف إقليمية رأت في سقوط الفاشر فرصة لإعادة رسم خريطة النفوذ في غرب السودان ، وتأمين طرق تهريب الذهب والسلاح عبر الصحراء ، التي كانت تمر عبر مليط والكومة .
تم إغلاق الحدود في وجه قوافل الإغاثة القادمة من تشاد وليبيا بحجة “الوضع الأمني” بينما كانت قوافل أخرى تعبر نفس الصحراء بسهولة في الاتجاه المعاكس ، محملة بالوقود والسلاح وهذا التناقض هو الدليل السياسي الأوضح على أن الحصار لم يكن أمنياً بل كان انتقائياً .
مصدر دبلوماسي إفريقي قال لي بشرط عدم ذكر اسمى (الفاشر كانت ضحية مقايضة إقليمية كل عاصمة في الجوار كانت تنظر إلى الفاشر من زاوية مصلحتها / هل سقوطها يقربني من حليفي؟) أم يبعدني عن خصمي ؟ المدنيون لم يكونوا في المعادلة أبداً .
ثالثاً/ الصمت الدولي حين أصبحت الفاشر خبراً عادياً
في مايو 2024 أصدر مجلس الأمن القرار 2736 طالب فيه بفك الحصار عن الفاشر كان قراراً قوياً على الورق وميتاً على الأرض لماذا ؟ لأن المجتمع الدولي تعامل مع الفاشر كأزمة إنسانية لا كجريمة سياسية ، أرسل بيانات الإدانة ، ووزع أرقام النازحين وعقد مؤتمرات للمانحين ولكنه لم يفرض ممراً إنسانياً واحداً بالقوة ولم يعاقب طرفاً واحداً بمنع الإمداد .
المنظمات الإنسانية نفسها وقعت في فخ السياسة بعضها انسحب بحجة عدم القدرة على الوصول وبعضها قبل بالعمل تحت شروط الطرف المسيطر على الطرق فتحولت المساعدات إلى أداة ضغط أخرى النتيجة : أصبحت الفاشر (خبراً عادياً) في البداية كان العالم يصدم من صور الأطفال الجوعى بعد 100 يوم أصبحت الصور مألوفة بعد 300 يوم لم تعد الفاشر تتصدر النشرات هذا هو التطبيع مع الجريمة وهو أخطر من الجريمة نفسها .
رابعاً / سر الصمود – كيف لم تسقط مدينة جائعة ؟*
السؤال الذي حير كل المحللين العسكريين (كيف صمدت مدينة محاصرة ومجوعة لـ 500 يوم؟)
الإجابة ليست عسكرية الإجابة (اجتماعية – سياسية) .
*1/ اقتصاد الحرب الأهلي* عندما انهار السوق الرسمي خلق أهل الفاشر سوقاً موازياً التكايا المطابخ الجماعية صناديق النساء و(الجمعيات) التي كانت تجمع حفنة دخن من كل بيت لتطبخها لعائلة جائعة كان هذا هو أول اقتصاد تضامني حقيقي في السودان الحديث .
*2/ المستشفى السعودي* أصبح المستشفى السعودي رمزاً للصمود قُصف 14 مرة ومع ذلك لم يغلق يوماً واحداً الأطباء كانوا يعملون بلا مرتبات وبلا كهرباء وبلا أدوية سألت طبيباً هناك (لماذا لا تغادر؟) أجابني (إذا غادرنا ستموت المدينة نفسياً قبل أن تموت جوعاً نحن لسنا مستشفى نحن آخر دليل على أن هناك دولة) .
*3/ المرأة* النساء هن من حملن الفاشر هن من أداروا التكايا وهن من خبأن الحبوب وهن من خرجن تحت القصف ليجلبن الماء الحصار كشف حقيقة سياسية غائبة عن كل تقارير الحرب أن صمود السودان ليس في البنادق ، بل في النساء !
الخلاصة السياسية —
الفاشر لم تُجوع لأنها كانت ضعيفة بل جُوعت لأنها كانت قوية كان لا بد من كسرها بالجوع بعد أن فشل كسرها بالسلاح ، والتواطؤ الإقليمي والصمت الدولي لم يكونا خطأ بل كانا سياسة تقول : دعوا الفاشر تسقط بهدوء حتى لا يضطر أحد لاتخاذ موقف .
لكن الفاشر لم تسقط بهدوء سقطت وهي تصرخ وصمودها 500 يوم سيظل دليلاً أن إرادة المدنيين أقوى من كل حسابات الجغرافيا السياسية .
غدا نواصل الحلقة الثالثة من ذات السلسة









