الحلقة الثالثة من سلسلة سقوط الفاشر “من كان يحكم الفاشر خلال فترة الحصار ؟ “
إعداد / أميرة أحمد عمر

الحلقة الثالثة من سلسلة سقوط الفاشر
“من كان يحكم الفاشر خلال فترة الحصار ؟ “
إعداد / أميرة أحمد عمر
الإجابة لم يحكمها طرف واحد ، بل تقاسمت إدارتها ثلاثة مراكز للسلطة لكل منها سلاحه وشرعيته وحدوده ( الجيش والقوة المشتركة ، والمدنيون ) ولم يكن هذا التقاسم خياراً سياسياً بل كان نتيجة اضطرارية فرضتها الحرب .
أولاً / الجيش – السلطة الرسمية المحاصرة
كان الجيش السوداني ممثلاً في الفرقة السادسة مشاة هو السلطة الرسمية في الفاشر . وكان مقر الفرقة هو مركز القيادة العسكرية للمدينة وكان يتلقى الإمدادات عبر الإنزال الجوي من بورتسودان ، لكن هذه السلطة كانت محدودة عملياً ، فالجيش لم يكن قادراً على تأمين الغذاء والدواء للمدنيين ولا على فتح الطرق، ولا على حماية الأسواق والمستشفيات من القصف ولذلك ، ظلت شرعيته عسكرية أكثر منها إدارية ، وعندما سقط مقر الفرقة السادسة في 26 أكتوبر 2025 أعلن الجيش انسحابه وقال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان إن الانسحاب كان لتقليل الخسائر بين المدنيين ، بينما أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها الكاملة على المدينة .
ثانياً / القوة المشتركة – الشريك المسلح الذي أصبح أساسياً
فالمركز الثاني للحكم كان من نصيب القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح وقد تأسست هذه القوة في 27 أبريل 2023 بعد اندلاع الحرب ، من أربع حركات وقعت على اتفاق جوبا للسلام عام 2020 وهي / حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم والتحالف السوداني ، وتجمع قوى تحرير السودان .
وكانت مهمتها الأصلية حماية المدنيين في دارفور بحياد ، غير أنها في أوائل عام 2024 أعلنت تخليها عن الحياد ودخولها الحرب إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع ، داخل الفاشر كانت القوة المشتركة تؤمّن أجزاء واسعة من الأحياء والأسواق وتقاتل في الخطوط الأمامية وكان حضورها قوياً لدرجة أن كثيراً من سكان المدينة كانوا يرونها الحاكم الفعلي على الأرض لا الجيش ، لكن القوة المشتركة نفسها انقسمت لاحقاً إلى جناح مؤيد للجيش وجناح محايد سمى نفسه القوة المشتركة المحايدة ، كما أن العلاقة بين الجيش والقوة المشتركة لم تكن بلا توتر فقد وثّقت تقارير صحفية من بينها سودان تربيون ، خلافات بين الطرفين منها اتهام القوة المشتركة للجيش بقتل اثنين من عناصرها خلال التحقيق في إحدى الحوادث ، كما أن حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي كان يقيم في بورتسودان ويدير حكومة الإقليم من هناك، مما جعل القيادة الميدانية للقوة المشتركة تعمل باستقلالية نسبية عن القيادة السياسية .
ثالثاً / لجان المقاومة وغرف الطوارئ – إدارة مدنية بديلة
أما المركز الثالث وهو الأقل تسليحاً والأكثر تأثيراً في حياة الناس اليومية كان لجان المقاومة وغرف الطوارئ هذه الشبكات المدنية التي تشكلت بعد ثورة ديسمبر 2018 هي التي أدارت فعلياً ما تبقى من الحياة في الفاشر / توزيع الغذاء وتشغيل التكايا وتنظيم جلب المياه وتوثيق الانتهاكات وإجلاء الجرحى ، ولم تكن غرف الطوارئ مجرد متطوعين ، بل كانت بمثابة إدارة مدنية بديلة ، ففي الوقت الذي كانت فيه المستشفيات الرسمية تُقصف بنى المتطوعون في يونيو 2024 غرفاً طبية طارئة تحت الأرض باستخدام حاويات تابعة لبعثة يوناميد السابقة ، لتقديم العلاج بعيداً عن القصف بحسب تحقيق موقع دروب سايت نيوز في فبراير 2025 وقد أصبحت لجان المقاومة أحد أهم الأصوات المدنية التي ظلت تنقل ما يحدث داخل المدينة عندما انقطعت الاتصالات .
لكن هذه القوة المدنية كانت أيضاً بلا حماية ، فقد ظل أعضاؤها مستهدفين ، ولم يكن لديهم سلاح يحميهم ولا تفويض رسمي يجعلهم شركاء في القرار العسكري .
رابعاً/ الوجه الآخر – انتهاكات منسوبة لكل الأطراف
إن الصورة الكاملة لا تكتمل دون ذكر أن تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة اتهم الجيش والقوة المشتركة أيضاً بارتكاب انتهاكات في معسكر أبو شوك شمال الفاشر منها نهب واعتقالات تعسفية واحتجاز معتقلين في حاويات في مقر يوناميد السابق ، كما أن تحقيق هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) المنشور في 23 أكتوبر 2026 وثّق 43 هجوماً على المستشفيات والمرافق الصحية في الفاشر بين مايو 2024 وأكتوبر 2025 وقتل 55 من الكوادر الطبية، وجرح 120 واختفاء 10 وقد نفت قوات الدعم السريع هذه الاتهامات ووصفتها بأنها دعاية ، إن ذكر هذه الاتهامات من الطرفين ليس حياداً زائفاً بل هو شرط للمهنية الصحفية .
الخلاصة / لماذا فشل هذا النموذج الثلاثي ؟
إن مشكلة الفاشر لم تكن غياب الحكم بل تعدد الحكام ، الجيش كان يملك الشرعية الرسمية والسلاح الثقيل لكنه لم يكن يملك القدرة على إدارة المدينة والقوة المشتركة كانت تملك المقاتلين على الأرض لكنها لم تكن تملك قراراً سياسياً موحداً ، ولجان المقاومة كانت تملك ثقة الناس والقدرة على إدارة الحياة لكنها لم تكن تملك سلاحاً ولا حماية ، وعندما سقطت المدينة انكشف هذا التناقض: انسحب الجيش وتراجعت القوة المشتركة وبقي المدنيون وحدهم في مواجهة ما وثّقته تقارير الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية من انتهاكات واسعة بعد السقوط ، ذلك فإن السؤال الحقيقي ليس/ من كان يحكم الفاشر ؟ بل هل يمكن لمدينة أن تصمد عندما يحكمها ثلاثة ولا يحميها أحد ؟
انتظرو الحلقة الرابعة من السلسلة …










