مقالات

إشراقات الجمعة انتصار جعفر المسؤولية المجتمعية.. إعمار الإنسان قبل البنيان

إشراقات الجمعة

انتصار جعفر

المسؤولية المجتمعية.. إعمار الإنسان قبل البنيان..

إن الإحساس بالمسؤولية المجتمعية يبدأ من الفرد نفسه ويتشكل وفقا لدرجة تعليمه ووعيه وثقافته فضلا عن مدى حبه للخير وحرصه على المصلحة العامة.
فكثيرون منا يحبون فعل الخير ومساعدة الآخرين لكن هذا المفهوم غالبا ما ينحصر في صور محددة من أعمال البر والعطاء بينما هناك أبواب واسعة للخير قد لا نلتفت إليها رغم أنها تمثل جزءا أصيلا من مسؤوليتنا تجاه المجتمع.
ففعل الخير لا يقتصر على التبرع بالمال أو تقديم المساعدات بل قد يبدأ من إتقانك لعملك والحرص على أداء واجبك بأمانة وعدم تأخير معاملات الناس أو التسيب في العمل والابتعاد عن الهروب من المسؤولية وتعطيل مصالح المواطنين بحجج وأسباب واهية وإرهاقهم بعبارات مثل: «أمشي وتعال» و«راجعنا بكرة»، بينما كان بالإمكان إنجاز معاملاتهم ومعالجة مشكلاتهم لو استحضرنا الضمير الإنساني ونظرنا إلى الأمر باعتباره عملا من أعمال الخير والإحسان.
ولنتذكر دائما أن خدمة الناس من أعظم أبواب الخير وأن التعامل معهم بروح إنسانية راقية وفي إطار القانون يعكس رقي المجتمع وتحضر أفراده. فتبسمك في وجه أخيك صدقة والصدقات ليست محصورة في المال وحده كما أن جبر الخواطر وتيسير أمور الناس وقضاء حوائجهم من صور الإحسان التي لا تقل قيمة عن العطاء المادي.
ومن هنا فإن التعامل الإنساني الراقي يمثل مدخلا أساسيا لترسيخ مفهوم المسؤولية المجتمعية.
ففي الشارع العام علينا أن نتحلى بالمسؤولية فلا نلقي الأوساخ والقاذورات مهما صغر حجمها، ولا نبصق في الأماكن العامة بل نحافظ على نظافة البيئة والمظهر الحضاري لمدننا. وكذلك يجب أن نتعامل مع المرافق العامة باعتبارها ملكا للجميع نحافظ عليها ولا نسيء استخدامها خاصة الدواوين والدوائر الحكومية والحمامات العامة، فضلا عن استخدام الكهرباء والمياه والأدوات المكتبية وغيرها من الممتلكات العامة التي ينبغي أن نصونها من الهدر والتلف.
نحن اليوم في حاجة ماسة إلى الإعمار والتنمية المستدامة بعد أن خلفت الحرب اللعينة دمارا واسعا طال البنية التحتية وأفسد كثيرا من مظاهر الحياة الجميلة. ولذلك فإن مسؤوليتنا تقتضي أن نبدأ بداية جديدة وصحيحة وألا نكرر أخطاء الماضي وأن تكون أولى خطوات البناء هي إعمار الإنسان نفسه بإصلاح سلوكه وتقويم ما اعوجّ منه، وتعزيز قيم الانضباط والأمانة واحترام حقوق الآخرين.
وبرغم قسوة الحرب وما خلفته من مآسٍ ومعاناة فإنها كشفت لنا حقائق عظيمة في مقدمتها أنه لا شيء أغلى من الوطن ولا أجمل ولا أحنّ من ترابه مهما قست علينا ظروفه ومهما عانينا فيه من شظف العيش وغياب مظاهر الرفاهية. فقد أدركنا أن قيمة الوطن لا تقاس بما نملكه فيه من رفاهية وإنما بما يمثله لنا من هوية وانتماء وكرامة.
لذلك ينبغي أن تظل هذه الروح الوطنية حاضرة في وجداننا وأن نترجمها عملياً إلى سلوك يومي من خلال إتقان العمل والصدق والإخلاص فيه والمحافظة على الممتلكات العامة واحترام حقوق الآخرين. فكل فرد مطالب بأن يبدأ بنفسه وعندما يصلح الفرد سلوكه تنتقل عدوى الخير إلى محيطه ويتسع أثرها ليشمل المجتمع بأكمله.
لقد مرت شعوب كثيرة حول العالم بتجارب مريرة مع الحروب والدمار لكنها جعلت من تلك المحن نقطة انطلاق نحو التنمية والنهوض وراجعت أخطاءها وعززت قيم العمل والانضباط وتحمل المسؤولية المجتمعية فحققت انتصارات في مجالات البناء والتقدم والازدهار. ونحن أيضا قادرون على ذلك متى ما آمنا بأن بناء الأوطان لا يبدأ بالحجر وحده بل يبدأ بالإنسان الواعي والمسؤول..

إشراقة أخيرة..

(على قدر الحاجة).. عنوان للمسؤولية..

من صور المسؤولية المجتمعية البسيطة التي قد لا نلقي لها بالا ترشيد الاستهلاك والحرص على عدم إهدار الموارد. فعلى سبيل المثال عند شراء دواء من الصيدلية إذا كان المريض يحتاج إلى شريط ونصف بدلا من شراء العلبة كاملة، فمن الممكن أن يوفر له الصيدلي الكمية التي يحتاجها فقط متى كان ذلك جائزا وآمنا من الناحية الصيدلانية مع الاحتفاظ ببقية العبوة وفق الضوابط الصحية المعتمدة لتكون متاحة لمريض آخر يحتاج إليها.
وهكذا ينبغي أن تكون ثقافة ترشيد الموارد حاضرة في مختلف المعاملات كلٌّ في حدود اختصاصه ومسؤوليته حتى لا نهدر المال والموارد فيما لا طائل منه، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمال العام ومصالح المواطنين.
فالمسؤولية هنا لا تعني مجرد الالتزام بالواجب بل تعني أيضا استخدام الوعي والتقدير السليم لتحقيق المنفعة العامة دون تجاوز للقانون أو إضرار بحقوق الآخرين.
إن من أجمل الصفات الإنسانية حب الخير للجميع فهي بذرة طيبة إذا زرعناها في نفوسنا ورعيناها بالسلوك والعمل حصدنا ثمارها خيرا ومحبة وتعاونا وتكافلا.
فلتكن بدايتنا من أنفسنا ولنجعل المسؤولية المجتمعية سلوكا نمارسه لا شعارا نردده.. فإعمار الأوطان يبدأ بإعمار الإنسان.

نصر من الله وفتح قريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى