مقالات

بريق أمل… ولكن؟! محافظة باو.. نداء الإنسانية، المرأه صوت لا يسمع فهل من مجيب؟! (2_3) بقلم: منى الإحيمر

بريق أمل… ولكن؟!

محافظة باو.. نداء الإنسانية، المرأه صوت لا يسمع فهل من مجيب؟!

(2_3)

بقلم: منى الإحيمر

في الجزء الأول من هذا المقال، استهللت حديثي بالمرأة، ولم يكن ذلك مجاملة أو خروجاً على البروتوكول الذي يقتضي البدء بذكر الحاكم أو المحافظ، بل لأن ما يستوقفني دائماً هو الإنسان واحتياجاته، والمواطن الذي يتحمل أعباء الحياة في أصعب الظروف.

وفي كل مرة، أجدني أطالب بأن تخصص الدولة يوماً وطنياً للمرأة، تقديراً لما تتحمله من مسؤوليات جسام، وما تختزنه في قلبها من صبر وألم وأمل. فالمرأة هي الأكثر تأثراً بالحروب، إذ تتحمل آثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما تترك الحرب خلفها دماراً يطال الإنسان والبنيان، ويقسو على أحلام المستقبل التي كان كل منا يرسمها بطريقته الخاصة.. ولكن..؟!

في محافظة باو الجميله ، رأيت المرأة تفترش الأرض حباً للوطن، وتتشبث بالحياة رغم المعاناة. تقبّل تراب وطنها أملاً في أن تنعم بالأمن والاستقرار، وأن يهدأ قلبها الذي أنهكته سنوات اللجوء والتشرد في بلاد غير بلادها ووطن مختلف اركانه ولكن..؟!

وخلال جولتنا في معسكر الكرامة،(5) الذي يضم آلاف العائدين من جنوب السودان وإثيوبيا، كانت المشاهد مؤلمة بكل المقاييس. رأينا نساءً يحملن المياه على أكتافهن لمسافات طويلة، مستخدمات العصا لتثبيت إناء الماء( باقات المياه) و رغم وجود صهاريج للمياه، في صورة تعكس حجم المعاناة اليومية التي ما زالت تثقل كاهلهن. ولكن..؟!

وفي زوايا المعسكر، كانت نساء أخريات يعرضن ما استطعن إعداده من طعام بسيط للبيع، سعياً إلى توفير ما يعين أسرهن على مواجهة متطلبات الحياة. وبين تلك المشاهد، ظل سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح: ما الذي يدفع أناساً قضوا خمسة عشر عاماً في اللجوء إلى العودة من جديد؟ وكانت الإجابة واضحة، فلا وطن يمنح الإنسان شعور الأمان والانتماء كما يفعل وطنه، مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات في وطنك يظل الوطن هو الأمل. ولكن..؟!

ولعل أكثر ما بقي عالقاً في ذاكرتي منذ دلك اليوم كلمات النساء في باو، وهن يتحدثن بصوت امتزج فيه الألم بالعزيمة. قلن إنهن الأكثر تحملاً للمعاناة، والأشد تأثراً بظروف الحرب، فهن أمهات يحملن هموم الأسرة ويواجهن تحديات قاسية في الصحة والتعليم والاقتصاد، بينما يواصلن أداء دورهن في صمت وإصرار. ولكن..؟!

وكانت من أصدق العبارات التي سمعتها منهن قول إحداهن: “لا نريد أن نبقى معتمدين على المنظمات، بل نريد أن نعتمد على الزراعة التي كنا نزرعها، ويأكل من خيرها كل الشعب السوداني. لقد عدنا لنستعيد ذلك التاريخ.”

ثم أضافت، قائلة بكل فخر وثقة: “لا نطالب بأكثر مما نحتاج؛ نريد الزراعة، وتوفير مدخلاتها، فهذا هو الطريق الحقيقي للحياة الكريمة والاعتماد علي الذات . ولكن..؟!

كانت تلك الكلمات رسالة تختصر معنى الكرامة والإنتاج والاعتماد على الذات، وتؤكد أن الإنسان السوداني لا يبحث عن المساعدات بقدر ما يبحث عن فرصة للعمل واستعادة قدرته على العطاء.
ومن هنا، أوجه رسالتي إلى الحكام وصناع القرار في جميع أقاليم السودان: إن المرأة هي عماد المجتمع، ودعمها هو دعم للأسرة وللوطن بأكمله، وإهمالها ينعكس سلباً على المجتمع كله. فهي الأم والمربية، واليوم أصبحت أيضاً عاملة تكافح تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية… ولكن..؟!

إن تمكين المرأة ليس شعاراً، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل السودان. فكل فرصة تُمنح لها هي نافذة للإبداع، وخطوة نحو التنمية، وبناء مجتمع أكثر استقراراً وعدالة وقدرة على النهوض من آثار الحرب.

Email :monanon2@gmail.com
@إشارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى