سلسلة سقوط الفاشر ، الحلقة الرابعة ” عندما يصبح المستشفى والمخيم هدفاً
إعداد/ أميرة أحمد عمر

سلسلة سقوط الفاشر ، الحلقة الرابعة
” عندما يصبح المستشفى والمخيم هدفاً ”
” الفاشر لم تُحاصَر بالرصاص فقط بل حُوصرت باستهداف الحياة نفسها ”
إعداد/ أميرة أحمد عمر / 23 أكتوبر 2026
هناك حروب تُخاض على الجبهات وهناك حروب تُخاض على الحياة نفسها وفي الفاشر لم تكن المعركة فقط على الفرقة السادسة ولا على الأسواق ولا على الطرق ، بل كانت المعركة على آخر مكانين كان المدنيون يلجأون إليهما / المستشفى الذي يداوي جراحهم والمخيم الذي يأوي أطفالهم ، عندما يصبح المستشفى هدفاً والمخيم هدفاً فهذا لا يعني أن الحرب فقدت بوصلتها بل يعني أن الحرب وجدت بوصلتها الحقيقية / كسر إرادة مدينة كاملة عبر تجويعها وإمراضها وتركها بلا علاج وبلا مأوى ، هذه الحلقة عن تلك الخطة .
أولاً / المستشفى السعودي – عندما يُغتال آخر نبض في المدينة ، لم يسقط النظام الصحي في الفاشر دفعة واحدة ، بل سقط على مراحل كما تسقط مدينة محاصرة مستشفى بعد مستشفى – في أبريل 2023 أُغلق مستشفى الفاشر التعليمي قلب الطب في شمال دارفور فنقل الأطباء أدواتهم إلى المستشفى الجنوبي ليواصلوا العمل تحت القصف ، وفي 8 يونيو 2024 اقتُحم المستشفى الجنوبي وقد روى مديره لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) كيف ضُرب بأعقاب البنادق وكيف نجا بالتظاهر وبسقوط المستشفى الجنوبي لم يبقَ للمدينة إلا المستشفى السعودي للولادة ، لم يكن المستشفى السعودي مستشفى عادياً ، كان هو غرفة الإنعاش الأخيرة لمدينة محاصرة فيه كانت تولد النساء تحت القصف وتُبتر أطراف الجرحى بلا تخدير كافٍ ويعمل الأطباء بلا كهرباء ولا دواء ، وقد كشف تحقيق هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) المنشور في 23 أكتوبر 2026 عن ما لا يقل عن 43 هجوماً على المستشفيات والمرافق الصحية في الفاشر بين مايو 2024 وأكتوبر 2025 كما وثّق مقتل 55 من الكوادر الطبية وجرح 120 واختفاء 10، ونقل التحقيق عن ستة أطباء أن المستشفى السعودي وحده تعرض في بعض الأيام لما يصل إلى 25 ضربة بالقصف والمسيرات ، ولم يكن الأمر صدفة فكلما انتقل الأطباء إلى موقع بديل لحقهم القصف إليه انتقل مستشفى الأطفال إلى موقعين فتم قصفهما، انتقل مركز غسيل الكلى، فقُصف مرة أخرى .
إن هذه ليست أخطاء حرب. هذه رسالة سياسية واضحة (من يريد أن يقتل مدينة لا يبدأ بقتل جنودها ، بل يبدأ بقتل مستشفياتها ، وقد وصفت منظمة أطباء بلا حدود ما حدث بأنه غياب كامل لأي احتياطات لحماية المستشفيات وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك ، إن استهداف المرافق الصحية قد يشكل جرائم حرب ، وقد نفت قوات الدعم السريع هذه الاتهامات وقال وزير الصحة في إدارتها ، إنها دعاية وإن بعض المستشفيات استُخدمت لأغراض عسكرية وقالت BBC إنها لم تجد دليلاً مستقلاً على ذلك. ورفضت حكومة إقليم دارفور الاتهام بشكل قاطع .
ثانياً / معسكر زمزم – المجاعة أولاً، ثم الرصاص
إذا كان المستشفى هو نبض المدينة فإن معسكر زمزم كان هو قلبها النازح ، يقع زمزم على بعد 13 كيلومتراً جنوب غرب الفاشر وقد تحوّل من معسكر صغير إلى أكبر معسكر للنازحين في غرب السودان بعد أن فر إليه أكثر من 500 ألف شخص بحثاً عن قطعة خبز وسقف من القماش ، لكن زمزم لم يكن آمناً ، بل كان هو التجربة الأقسى في سياسة التجويع ، وفي أغسطس 2024 أعلنت لجنة مراجعة المجاعة حدوث مجاعة في زمزم وكانت هذه أول مجاعة تُعلَن في العالم منذ أكثر من سبع سنوات وقد قال برنامج الغذاء العالمي إن المساعدات لم تدخل زمزم منذ أبريل 2024 ، ثم جاءت المرحلة الثانية بعد التجويع وهو الهجوم .
في الفترة من 11 إلى 13 أبريل 2025 شنّت قوات الدعم السريع هجوماً استمر ثلاثة أيام على زمزم وقد وثّقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 1,000 مدني من بينهم 319 شخصاً أُعدموا أثناء فرارهم ، كما وثّقت مقتل 9 من عمال الإغاثة ، وقد أدى الهجوم إلى نزوح 406,265 شخصاً ، أي 81% من سكان المعسكر وفقاً للمنظمة الدولية للهجرة ، لقد كان زمزم هو الدليل الأوضح على أن الحصار لم يكن حصاراً عسكرياً فقط، بل كان حصاراً على الإنسانية نفسها ( أولاً تُجوّع الناس ، ثم تقصف من يبقى منهم حياً) وللأمانة الصحفية ، نذكر أن زمزم تعرض أيضاً للقصف من الجيش السوداني في أغسطس 2024، بعد إعلان المجاعة مباشرة بحسب سودان تربيون ، فالمدنيون في زمزم لم يكونوا بين طرفين ، بل كانوا بين نارين .
ثالثاً / معسكر أبو شوك – المخيم الذي لم يجد لحظة هدوء
على بعد 2.5 كيلومتر شمال غرب الفاشر كان معسكر أبو شوك يأوي نحو 190 ألف نازح ، معظمهم من ضحايا حرب دارفور الأولى الذين فروا قبل عشرين عاماً ثم وجدوا الحرب تلحق بهم مرة أخرى ، وقد وثّقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أبو شوك تعرض لما لا يقل عن 16 هجوماً بين يناير ويونيو 2025 مما أدى إلى مقتل 212 نازحاً وجرح 111 آخرين ، وفي 11 أغسطس 2025 قُتل 57 مدنياً في هجوم على الفاشر وأبو شوك من بينهم 40 نازحاً داخل المعسكر ، وفي 16 أغسطس 2025 قُتل 31 شخصاً من بينهم 7 أطفال وامرأة حامل ومتطوع من غرفة طوارئ أبو شوك/ بحسب شبكة أطباء السودان ، وفي سبتمبر 2025 استهدفت مسيرة مسجداً داخل المعسكر فقتلت 11 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 6 و15 عاماً/ بحسب اليونيسف ، وقالت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، إن الهجوم كان “مروعاً وغير مقبول” إن أبو شوك لم يكن معسكراً فقط كان هو الذاكرة الحية لدارفور ناس هربوا من الحرب الأولى ، فوجدوا الحرب الثانية في نفس الخيمة.
الخلاصة ،،،
( لماذا استُهدف المستشفى والمخيم؟) قال الجراح (م ، س) الذي عمل في الفاشر لهيئة الإذاعة البريطانية : (كانت قوات الدعم السريع تحاول إخراج المستشفيات من الخدمة ، لأن النظام الصحي هو حجر الأساس لأي مدينة) وهنا تكمن الحقيقة السياسية التي يجب أن يفهمها القارئ ، إن استهداف المستشفى والمخيم لم يكن عملاً عسكرياً ، بل كان عملاً سياسياً ، فمن يضرب المستشفى يريد أن يقول لسكان المدينة ، لا علاج لكم
ومن يضرب المخيم يريد أن يقول لهم لا مأوى لكم ، ومن يضرب المسجد يريد أن يقول لهم لا مكان مقدس لكم ، وعندما لا يجد الإنسان علاجاً ولا مأوى ولا مقدساً ، فإنه لا يموت بالرصاص فقط بل يموت بانكسار الإرادة ، لقد نجحت هذه الخطة في إفراغ الفاشر من الحياة قبل أن تُفرغها من السكان ، وبعد أن سقط المستشفى والمخيم لم يبقَ أمام المدينة إلا الغرف المغلقة ، حيث كان العالم يتفاوض على هدنة لم تأتِ أبداً .
المصادر /
– تحقيق هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) 23 أكتوبر 2026
– تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حول زمزم ديسمبر 2025
– تقرير منظمة العفو الدولية حول زمزم ديسمبر 2025
– لجنة مراجعة المجاعة (IPC) أغسطس 2024
– بيانات المنظمة الدولية للهجرة أبريل 2025
– بيانات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حول أبو شوك أغسطس 2025
– بيان اليونيسف حول مسجد أبو شوك ، سبتمبر 2025
– بيان منظمة أطباء بلا حدود
انتظروا الحلقة الخامسة ،،،










