*سلسلة / الفاشر – 500 يوم حتى السقوط (1 من 6)*
العنوان الفرعي / كيف تحولت أكثر مدن دارفور أماناً إلى مدينة محاصرة؟*إعداد /أميرة أحمد عمر*

*سلسلة / الفاشر – 500 يوم حتى السقوط (1 من 6)*
الحلقة الأولى /
*حين خانت الطمأنينة أهل الفاشر*
*العنوان الفرعي / كيف تحولت أكثر مدن دارفور أماناً إلى مدينة محاصرة؟*
*إعداد /أميرة أحمد عمر*
21 أكتوبر 2026
*مقدمة/ الاستثناء الذي يجب أن يسقط*
في دارفور هناك قاعدة غير مكتوبة، تعلمها كل أجهزة الاستخبارات المحلية والأجنبية : كل المدن تسقط إلا الفاشر .
،،،
نيالا سقطت بسلاح المال والشراء السياسي ، الجنينة سقطت بسلاح الهندسة القبلية الدموية ، زالنجي سقطت بسلاح الحصار والتجويع ، أما الفاشر فقد فشلت فيها كل تلك الأدوات لعقدين كاملين .
لماذا ؟ لأن الفاشر لم تكن مجرد مدينة ، بل كانت *شرعية تاريخية*.
هي عاصمة سلطنة دارفور ، ومقر حكومة الإقليم، والمدينة الوحيدة التي بنت شرعيتها على “شرعية التعايش” لا على شرعية البندقية.
كنت أجلس في ديسمبر 2023 مع الحاج إدريس في سوق الفاشر الكبير ، قال جملة تلخص كل الأزمة السياسية السودانية :
*هنا في السوق، أنا فوراوي ، جاري زغاوي ، والجزار محمود من الرزيقات ، نحن نتشارك الميزان ، لكن في الخرطوم يتشاركون الكراسي على جثثنا*
كانت الفاشر تقدم نموذجاً نقيضاً لنموذج المركز وهذا بالضبط ما جعل إسقاطها ضرورة سياسية وليست عسكرية .
*أولاً /خديعة الخط الأحمر – كيف تم بيع الفاشر سياسياً؟*
عندما اندلعت حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع ، لم تكن الفاشر في حسابات الحرب الخاطفة التي توقعها الطرفان ، لكن مع طول أمد الحرب ، تحولت المدينة إلى أهم ورقة سياسية على طاولة التفاوض .
من بورتسودان، تعاملت النخب العسكرية والسياسية مع الفاشر كـ *”ورقة تفاوض أخيرة في دارفور”*. بقاؤها يعني بقاء حجة أن الدولة لا تزال موجودة في الإقليم. سقوطها يعني الاعتراف بخسارة الإقليم كله . لذلك تم تركها تقاتل وحدها ، بلا إمداد حقيقي ، بلا غطاء جوي فعال وبلا خطة فك حصار .
ومن الجهة الأخرى، تعاملت قيادة الدعم السريع مع الفاشر كـ *الجائزة السيادية الأخيرة . السيطرة على دارفور دون الفاشر هي سيطرة منقوصة سيادياً وتاريخياً ، لا يمكن إعلان حكومة موازية أو إدارة للإقليم وعاصمة السلطنة التاريخية ليست بيدك .
شهادة حساسة حصلت عليها من قيادي في الإدارة الأهلية بشمال دارفور (مسجلة صوتياً ، مع حجب الاسم لدواعٍ أمنية) تكشف هذه الخديعة المزدوجة :
*تواصلنا مباشرة مع قيادات من الدعم السريع داخل الفاشر في مايو 2023. كان ردهم واضحاً وصادماً / الفاشر ليست هدفاً عسكرياً، بل هدفاً سياسياً ، لن ندخلها بالسلاح السريع سندخلها بالتفاوض والحصار. وكانوا يسمونها بينهم عملية الخنق الهادئ*.
وهذا ما تم تنفيذه بدقة. لم يكن سقوط مليط في 26 أبريل 2024 حدثاً عسكرياً عابراً ، بل كان *إعلان إغلاق قوس الحصار السياسي*، بعده سقطت الكومة ، ثم قُطع طريق نيالا / الفاشر، ثم طريق الفاشر / كتم .
في تحليلي لصور الأقمار الصناعية (Maxar – يونيو 2024) تبدو الفاشر كنقطة بيضاء وحيدة محاطة بدائرة سوداء كاملة من ثلاث جهات ، انقلبت الجغرافيا السياسية – المدينة التي كانت مركز دارفور ، أصبحت سجن دارفور .
*ثانياً / جمهورية المتاريس – تحالف البقاء وليس تحالف المبادئ*
هنا يكمن التحول السياسي الأخطر لماذا صمدت الفاشر 500 يوم ؟
الرواية الرسمية تقول : الجيش يحمي المدينة ، الحقيقة السياسية أكثر تعقيداً .
ان الذي حمى الفاشر هو تحالف لم يكن أحد يتوقعه – *تحالف البقاء* ( الجيش السوداني القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح ، لجان المقاومة ، المستنفرون من أبناء المدينة . هؤلاء يقاتلون خوفا من سقوط الفاشر كما سقطت الجنينة ،ونيالا من انتهاكات موثقة .
هذا التحالف لم يكن استراتيجياً ، بل كان اضطرارياً كل طرف يعلم أنه إذا سقطت الفاشر سقط مشروعه السياسي معها. الحركات المسلحة ستفقد شرعية تمثيل دارفور ، والجيش سيفقد شرعية السيادة ، والمجتمع المحلي سيفقد شرعية التعايش .
وهكذا في نهاية 2024 لم تعد الفاشر مدينة بالمعنى الحديث للدولة ، بل تحولت إلى *جمهورية متاريس* كل شارع جبهة وكل مواطن جندي مجبر ، هذا هو الفشل الكامل لمشروع الدولة المركزية : عندما تنسحب الدولة يتحول المواطن إلى دولة .
*ثالثاً / حين يصبح الملاذ فخاً – استخدام المدنيين كدروع ديموغرافية*
المواطنة (آمنة) 32 عاماً معلمة من طويلة ليست مجرد رقم في تقارير OCHA التي قالت إن 400 ألف نازح دخلوا الفاشر هي جوهر المأساة السياسية .
قالت لي وهي تبكي في معسكر أبو شوك هربت من الجنجويد إلى طويلة قالوا لي امشي الفاشر هناك الجيش والحركات حامينها بعت دهبي ودفعت حق المواصلات وصلت الفاشر لقيت الناس كلها بتبني في متاريس قدام بيوتها عرفت إني ما هربت من الحرب أنا جيت لنص الحرب لكن وين أمشي تاني؟ الصحراء ورانا والموت قدامنا .
هنا تكمن الجريمة السياسية الصامتة / م استخدام المدنيين كدروع ديموغرافية كل طرف أراد أن يقول للمجتمع الدولي : *أنا أحمي 800 ألف مدنى* والنتيجة أن المدينة التي كانت ملاذاً آمناً ، تحولت إلى أكثر مدن السودان اكتظاظاً بالخوف والجوع .
المجتمع الدولي نفسه عبر صمته على إغلاق الطرق الإنسانية وعدم فرض ممرات آمنة كان شريكاً في هذا الخنق الهادئ .
*الخلاصة السياسية*
الطمأنينة التي خانت أهل الفاشر لم تكن طمأنينة اجتماعية فقط، بل كانت طمأنينة سياسيةمبنية على وهم كبير : وهم أن الخرطوم ، سواء كانت في الخرطوم أو بورتسودان ، ستحمي نموذج التعايش في الفاشر .
والخرطوم نفسها كانت تحترق وتتاجر بنموذج الفاشر في مزادات التفاوض .
سقوط الفاشر لم يبدأ يوم دخلها الدعم السريع ، سقوطها بدأ يوم تم تحويلها من مدينة تعايش إلى ورقة تفاوض .
انتظرو الحلقة الثانية من السلسة ،،،









