جدار» يفتح نافذة جديدة للمعرفة والهوية.. تدشين مركز جبال النوبة للدراسات الثقافية والتدريب والإعلام بالخرطوم ، بقلم:احمد اسماعيل حسن

«جدار» يفتح نافذة جديدة للمعرفة والهوية.. تدشين مركز جبال النوبة للدراسات الثقافية والتدريب والإعلام بالخرطوم
بقلم:احمد اسماعيل حسن
في مشهد ثقافي وعلمي لافت، احتضنت جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا بالخرطوم حفل تدشين مركز جبال النوبة للدراسات الثقافية والتدريب والإعلام «جدار»، إيذاناً بانطلاق نشاط مؤسسة تسعى إلى جعل المعرفة جسراً بين الثقافة والهوية والإعلام والتدريب، وإلى تحويل التنوع الثقافي السوداني من مجرد واقع اجتماعي إلى مصدر للمعرفة والتنمية والتماسك المجتمعي.
وجاء تدشين المركز وسط حضور نوعي من القيادات الأكاديمية والثقافية والإعلامية والباحثين والمهتمين بالتراث، إلى جانب عدد من المبدعين والفنانين، في فعالية عكست اهتماماً متزايداً بقضايا الثقافة والهوية والتوثيق وحفظ التراث، باعتبارها مكونات أساسية في بناء المجتمع وصون ذاكرته الوطنية.
شراكة مع الجامعة.. من الاحتفاء إلى العمل المؤسسي
ولم يكن اختيار جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا منصةً لإطلاق المركز حدثاً بروتوكولياً عابراً، إذ اقترن التدشين بخطوة عملية تمثلت في توقيع مذكرة تعاون مشترك بين مركز جدار ومعهد تنمية الأسرة والمجتمع بالجامعة، بما يفتح الباب أمام برامج مشتركة في مجالات الدراسات والتدريب وبناء القدرات والعمل الثقافي والإعلامي.
ووقعت المذكرة عن المعهد البروفيسور هادية المبارك الشيخ عميد المعهد، وعن مركز جدار الدكتور محمد الفاضل الفائق المدير العام للمركز، بحضور الأستاذ الطيب سعد الدين المدير العام لوزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم والوزير المكلف، والبروفيسور عيسى بشير محمد الطيب مدير جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، إلى جانب عدد من الأكاديميين والقيادات والمهتمين بالشأن الثقافي والبحث العلمي.
وأكد مدير الجامعة خلال مخاطبته الاحتفال استعداد الجامعة لرعاية مركز جدار وفتح أبوابها أمام برامجه، من خلال بناء شراكات وبرامج مشتركة مع كليات الجامعة المختلفة وفق اختصاصاتها، مشيراً إلى أن كلية تنمية الأسرة والمجتمع ستكون مدخلاً للتنسيق والتعاون المشترك بين الطرفين.
وتحمل هذه الخطوة دلالة مهمة، كونها تنقل فكرة المركز من إطار المبادرة الثقافية إلى رحاب الشراكة المؤسسية مع مؤسسة أكاديمية، بما يمكن أن يتيح فرصاً أوسع للبحث والتوثيق والتدريب وتبادل الخبرات.
«جدار».. ثلاثة أركان لبناء المعرفة
وقدم الدكتور محمد الفاضل الفائق، المدير العام لمركز جدار، خلال الاحتفال تعريفاً برسالة المركز وأهدافه، موضحاً أن نشاطه يقوم على ثلاثة أركان رئيسية تتمثل في الدراسات الثقافية، والتدريب وبناء القدرات، والإعلام الهادف.
ويولي المركز اهتماماً بالدراسات الثقافية باعتبارها إحدى روافد المعرفة، مع التركيز على مختلف ضروب الثقافة والتراث والتوثيق، إلى جانب تصميم برامج تدريبية تستهدف تطوير القدرات، ولا سيما قدرات الشباب، وفتح مساحات أمامهم لاكتساب المعارف والمهارات التي تمكنهم من المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
كما يضع المركز الإعلام ضمن أولوياته، من خلال العمل على تطوير قدرات الإعلاميين وتشجيع الإعلام المهني والهادف، والمساهمة في مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة عبر المعرفة والتوعية وبناء المحتوى المسؤول.
ومن هنا تبدو فلسفة «جدار» أوسع من كونها مشروعاً ثقافياً تقليدياً؛ فهي محاولة لبناء منصة معرفية متعددة المسارات تلتقي فيها الثقافة بالإعلام، والتدريب بالبحث العلمي، والتراث بقضايا التنمية والمجتمع.
الثقافة ليست ترفاً.. بل ذاكرة وهوية وأداة للتنمية
وتنبع أهمية المركز من طبيعة الدور الذي يطمح إلى القيام به في مجال حفظ التراث وتوثيقه وتعزيز الهوية الجامعة، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان وما خلفته الحرب من آثار عميقة طالت الإنسان والمجتمع والذاكرة الثقافية.
وفي هذا السياق، يصبح توثيق التراث وحفظه أكثر من مجرد عمل ثقافي؛ إذ يمثل جزءاً من حماية الذاكرة الوطنية من الاندثار، وإتاحة المعرفة للأجيال القادمة، وتعزيز الاعتزاز بالتنوع الذي يشكل إحدى السمات الأساسية للمجتمع السوداني.
كما أن ربط الثقافة بالتدريب والإعلام يفتح الباب أمام تحويل المعرفة الثقافية إلى برامج عملية يمكن أن تسهم في التنمية الاجتماعية، وبناء القدرات، وتعزيز الحوار، وتقوية جسور التواصل بين مكونات المجتمع.
اتحاد عام النوبة: الثقافة طريق إلى الوحدة الوطنية
من جانبه، أشاد الأستاذ محمد أبو عنجة أبو راس، رئيس اتحاد عام النوبة، بالمبادرة والشراكة التي نشأت بين مركز جدار وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، مؤكداً أهمية مثل هذه المبادرات في خدمة الثقافة والمعرفة والمجتمع.
وهنأ رئيس الاتحاد القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة والقوات المشتركة على تحرير سودري، داعياً إلى استكمال تحرير كل شبر من الأراضي السودانية، ومؤكداً استعداد اتحاد عام النوبة للتعاون مع مركز جدار والجامعة، بما يخدم الأهداف المشتركة في المجالات الثقافية والمجتمعية والوطنية.
ويكتسب حضور اتحاد عام النوبة في فعالية التدشين دلالة خاصة، باعتبار أن المركز ينطلق من فضاء جبال النوبة الثقافي، لكنه يطرح نفسه، وفق رسالته، ضمن فضاء سوداني أوسع يقوم على التعريف بالتنوع وحمايته وتوثيقه وربطه بقضايا المجتمع والتنمية.
وزارة الثقافة: دعم رسمي وفتح آفاق خارجية
وفي الاتجاه ذاته، أشاد الأستاذ الطيب سعد الدين، المدير العام لوزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم والوزير المكلف، بتدشين المركز، مستحضراً تاريخ أبناء جبال النوبة وإسهاماتهم في مختلف الحقب والمجالات، ومثمناً ما وصفه بوطنيتهم ودورهم المشهود في الحياة السودانية.
وأعلن استعداد الوزارة لدعم مركز جدار ورعايته وفتح آفاق التعاون أمامه، بما في ذلك التواصل مع الجهات الخارجية، الأمر الذي يمكن أن يمنح المركز فرصة للانفتاح على التجارب الإقليمية والدولية في مجالات الثقافة والتوثيق والتدريب والإعلام.
الفن يحضر.. والثقافة تقول كلمتها
واكتملت صورة الاحتفال بمشاركة عدد من الفنانين والمبدعين الذين قدموا أعمالاً وطنية وثقافية، وسط حضور كبير من المهتمين بالثقافة والتراث والبحث العلمي.
ولم تكن المشاركة الفنية مجرد فقرة احتفالية، بل جاءت منسجمة مع طبيعة المناسبة التي أراد منظموها أن تجمع بين المعرفة والإبداع، والبحث والثقافة، والهوية والفن.
حدث يتجاوز لحظة التدشين
إن تدشين مركز جبال النوبة للدراسات الثقافية والتدريب والإعلام «جدار» لا تتوقف دلالته عند إعلان ميلاد مؤسسة ثقافية جديدة، بل تبرز أهميته في محاولة تأسيس عمل مؤسسي يجعل من الثقافة والمعرفة والتدريب والإعلام أدوات لخدمة المجتمع وحماية الذاكرة وتعزيز الهوية الجامعة.
كما أن الشراكة المبكرة مع جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا تمنح التجربة بعداً أكاديمياً يمكن أن يسهم في تطوير برامجها وتحويل الأفكار إلى مشاريع بحثية وتدريبية قابلة للتطبيق.
وفي بلد متعدد الثقافات مثل السودان، تبدو الحاجة إلى مؤسسات تعمل على دراسة التنوع وتوثيقه وإبرازه أكثر إلحاحاً، لا باعتباره سبباً للانقسام، وإنما باعتباره رصيداً معرفياً وإنسانياً يمكن أن يشكل أساساً للتعايش والتنمية وبناء المستقبل.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام «جدار» يبدأ بعد حفل التدشين: هل يستطيع المركز أن يحول رسالته إلى برامج مستدامة، وأن يجعل من الثقافة معرفةً حية، ومن التدريب قدرةً على الفعل، ومن الإعلام جسراً للتنوير والتماسك الاجتماعي؟
ذلك هو الاختبار الذي سيحدد موقع «جدار» في المشهد الثقافي والمعرفي السوداني، ويمنح تجربة انطلاقه من الخرطوم معناها الأوسع.











