أميرة أحمد عمر تكتب: ملاخقة الحقيقه / دارفور / عندما يصبح البقاء هو الحلم الوحيد لمواطنيها

دارفور / عندما يصبح البقاء هو الحلم الوحيد لمواطنيها
ملاحقة الحقيقة / أميرة أحمد عمر
في دارفور لم يعد الحرب خبراً يُقرأ في نشرات الأخبار ويُنقل على عجل وسبق صحافى بل أصبحت حياةً كاملة تُعاش بتفاصيلها الموجعة كل يوم وكل ساعة .
هنا خلف ضجيج البيانات السياسية المحنطة وخلف حياد المنظمات الرمادي وخلف صخب المنابر الذى لا يشبهنا، يوجد شعب آخر.د يوجد (الغلابة) هم الناس الحقيقيون هم أصل الحكاية وكل الحكاية .
هنا فى دارفور أمٌّ في مقتبل العمر تحتضن أربعة أطفال في خيمة من القش (المواد المحلية) وهى لا تقي حرّ الشمس الحارقة ولا تحمي من برد الليل أم تطبخ وتخفي دموعها حتى لا يراها صغيرها.
وهنا رجل مسن تجاوز السبعين عاما يحمل جوال دقيق على كتفه المنهك من تعب السنين ويمشي به لمسافة كيلومترات تحت الشمس لأن أبناءه نزحوا ولم يبق له أحد لكى يقوم بمسؤلياته
وهناك اطفال يسألون متين نرجع بيوتنا ولا أحد يستطيع الإجابة ، في معسكرات النزوح حول مدن دارفور المعاناة ليست رقماً يُضاف إلى التقارير الأممية وليست إحصائية تنقل في مؤتمرات المعاناة لها وجوه زوايا مختلفة .
لقمة العيش أن تحصل على القليل من الدخن أو الذرة أصبح حلماً بعيد المنال والأسواق منهارة تماماً ، والقدرة المالية معدومة والمساعدات الإنسانية التي تأتي باسمهم قليلة وما يؤلمني حقا أنها لا تصل إلى من هم أحق بها.
،،،،
أما إذا تحدثت عن الدواء المفقود فالمستشفيات خالية على عروشها لا دواء ولا طبيب لأن الاطباء غادرو البلاد ، فالسودان اصبح باد طارد ، امرأة حامل في شهرها الأخير تمشي يوماً كاملاً على قدميها في الخلاء لتصل إلى قابلة تقليدية فقط لتطمئن على نبض جنينها. أي وجع هذا يا أيها السادة ظلم ما بعده ظلم فى بلدى الذى يسمى بالسودان ؟!
،،،،
دعونى أتحدث عن سيد الموقف وكل المواقف هو ( الأمان) وهو أصل كل البلاوي ، لا أحد ينام آمناً في دارفور أصوات الرصاص والدانات والمدافع هي لغة الليل ونسايم النهار الطويل ، الخوف يسكن القلوب قبل أن يسكن الخيام .
يا أيها السادة الحكام بمختلف مسمياتكم :
أنا أميرة أحمد عمر إعلامية وصحافية مستقلة من غرب السودان الحبيب ، اسمحوا لي هنا أن أخلع ثوب الصحافة والإعلام المحايدة وأن أتحدث بلسان الغلابة في دارفور بلسان أهلي الضعفاء الذين لا حولا لهم ولا قوة .
هؤلاء الغلابة لا يطلبون منكم السلطة ولا يلهثون وراء المناصب المزيفة ولا يبحثون عن مكاسب سياسية أو كراسي ولا كعكعات تقسم على المنابر ، فمطالبهم بسيطة ببساطة أرواحهم، وعظيمة بعظمة إنسانيتهم وطهارة قلوبهم ، يريدون فقط أن يزرعوا أرضهم التي ورثوها من أجدادهم بسلام ،
يريدون أن يشرب أطفالهم ماءً نظيفاً، ماءً خالياً من الحقد والكراهية ونزيف الدم والدموع ، يريدون أن يناموا ليلة واحدة دون أن يستيقظوا مذعورين على أصوات السلاح والمدافع والهاونات .
لقد تعبوا والله على ما أقول شهيد ، والله العظيم تعبوا بما فيه الكفاية من أن يكونوا مجرد “أرقام نازحين” في تقارير المنظمات ، ومجرد حصيلة يتاجر بها الأرزقية وتجار الحروب في الداخل والخارج هؤلاء بشر مثلهم مثلكم ، لهم أسماء ولهم أحلام كما تحلمون ولهم بيوت تركوها عامرة بالضحكات وبالذكريات الجميلة رغم بساطتها.
رسالتي اليوم ليست إلى المنظمات وإنما إلى ضمير الحكام الظالمين الجائرين النصابين …..الخ
إن دارفور اليوم لا يحتاج إلى بيانات تنديد وشجب ولا يحتاج إلى مؤتمرات تُعقد في القاعات الفخمة والمكيّفة في العواصم البعيدة ودول المهجر ولا يحتاج إلى وعود كاذبة تُطلق من وراء البحار والمحيطات .
دارفور يحتاج إلى قرار شجاع من رجل شجاع ضكران ذوق خلق ودين وشهادة وغيرته على وطنه واهله، دارفور يحتاج إلى قلوب تسمع أنينها وإلى أعين تنظر بالرحمة وإنسانية لا بعين المصلحة السياسية والمكاسب .
ذكّروا العالم أن خلف كل خيمة في دارفور قصة كفاح وامرأة صابرة ، وخلف كل طفل حافي القدمين قصة نضال ، وخلف كل رجل مسن قصة فقدان لعزيز ، انهم أهلى الغلابة فى إقليم دارفور فى غرب السودان .
تذكروا يا ايها الساسة والحكام الظلام أن هؤلاء الغلابة هم تحت رعايتكم ومسؤليتكم وهم أصل هذه الأرض ومنبعها هم طيبتها وهم بركتها هم غيثها وهم خيرها ، هم رحمة السودان كلها تنزل بفضل دعواتهم الصادقة وصبرهم العظيم .
،،،،
آللهم أحفظ دارفور وأهلها ، وأستر عوراتهم وآمن خوافهم روعاتهم ، ورد كل نازح ولاجئ إلى داره سالماً آمناً مطمئناً، وأصلح حال بلادنا ، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا ولا يخافك يا عزيز يا جبار يا رحمن يا رحيم .
16 / 9 / 2026










